علي بن عبد الكافي السبكي

596

فتاوى السبكي

أو إنسيا وهي في الدلالة كآية الفرقان أو أصرح فإن احتمال عود الضمير على الفرقان غير وارد هنا فهذه مواضع في الفرقان تدل على ذلك دلالة قوية أقواها آية الأنعام هذه وتليها آية الفرقان وتليها آيات الأحقاف وتليها آيات الرحمن وخطابها في عدة الآيات فبأي آلاء ربكما تكذبان وتليها سورة الجن فقد جاء ترتيبها في الدلالة والقوة كترتيبها في المصحف وفي القرآن أيضا ما يدل لذلك ولكن دلالة الإطلاق اعتمدها كثير من العلماء في مباحث وهو اعتماد جيد وهو هنا أجود لأن الأمر بالإنذار المطلق إذا لم يتقيد بقيد يدل على تمكن المأمور في الإتيان به في أي فرد شاء من أفراده وفي كلها وهو صلى الله عليه وسلم كامل الشفقة على خلق الله والنصيحة لهم والدعاء إلى الله تعالى فمع تمكنه من ذلك لا يتركه في شخص من الأشخاص ولا في زمن من الأزمان ولا في مكان من الأمكنة وهكذا كانت حالته صلى الله عليه وسلم ويعلم أيضا من الشريعة أن الله تعالى لم يرد من قوله قم فأنذر مطلق الإنذار حتى يكتفى بإنذار واحد لشخص واحد بل أراد التشمير والاجتهاد في ذلك فهذه القرائن تفيد الأمر بالإنذار لكل من يفيد فيه الإنذار والجن بهذه الصفة لأنه كان فيهم سفهاء وقاسطون وهم مكلفون فإذا أنذروا رجعوا عن ضلالهم فلا يترك النبي صلى الله عليه وسلم دعاءهم والآية بالقرائن المذكورة مفيدة للأمر بذلك فتثبت البعثة إليهم بذلك ومنها كل آية فيها لفظ المؤمنين ولفظ الكافرين مما فيه أمر أو نهي ونحو ذلك فإن المؤمنين والكافرين صفتان لمحذوف والموصوف المحذوف لا يتعين أن يكون الناس بل المكلفين أعم من أن يكونوا إنسا أو جنا وإذا ثبت هذا أمكن الاستدلال بما لا يعد ولا يحصى من الآيات كقوله تعالى فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون فالجن الذين لم يتبعوه ليسوا مفلحين وإنما يكون كذلك وإذا ثبتت رسالته في حقهم وكقوله تعالى لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين وكقوله هدى للمتقين ونحو ذلك من الآيات أيضا قوله تعالى إنما تنذر من اتبع الذكر ومن الجن